كيف تم تفسير الإكتئاب.

الإكتئاب، ذالك الوحش الأسود الذي يقبع في ذات الإنسان، والذي بدوره يجعل حياة الإنسان أكثر سوداوية، المهم ليست النظرة إلى الحياة، بل زاوية النظر إليها، ولقد كان هذا الوحش، محل إختلاف تفسير علمي كبير، وفي هذا المقال جمعت لكم، كل النظريات التي وجدتها تتناول هذا الأمر، أي الرؤية النفسية للإكتئاب، لذا الذي أود طرحه على بساط المناقشة، بما أن الحقيقة هيا وليدة البحث، ماهي الإتجاهات المفسرة للإكتئاب؟

الاتجاهات المفسرة للاكتئاب: 1:النظرية البيولوجية:

تركزت هذه النظرية على النقص الحاصل في عمل الناقلات العصبية مثل الدوبامين dopamine وال نورأدريالين noradrenaline والسيروتونين serotonin والتي بحركتها المرتفعة أو المنخفضة يكون لها تأثيرها في الجهاز العصبي لكل فرد. وما يدعم هذه النظرية أن مضادات الاكتئاب الفعالة هي التي تعمل على زيادة الناقلات العصبية في الدماغ. ويعتبر الباحثون في النظرية البيولوجية أن الخبرات الانفعالية تؤثر في النشاط الكيميائي للدماغ؛ وعلى هذا الأساس فإن المشاعر والأفكار والسلوكيات قد تتغير تبعا للحركة الكيميائية في الدماغ. إن التغير الكيميائي في هبوط الانزيمات المنشطة أو زيادتها لا يتم بصورة دورية وثابتة، ولكن ذلك يتوقف على الظروف النفسية والخارجية التي يعيشها الفرد. يرى الأطباء أن الاكتئاب يمكن أن ينجم عن النقص في إنتاج السيروتونين والنورأدريالين. ويعتبر أمين أن الخلل في نشاط الدماغ هو الذي يؤدي إلى الاضطرابات، وتوصل إلى ربط كل اضطراب نفسي بمنطقة معينة في الدماغ؛ فعمل الدماغ الأوسط بصورة زائدة، يصيب الشخص بالاكتئاب ويصبح فريسة الأفكار السلبية والتشاؤمية فضلا عن هبات انفعالية مع هبوط الرغبة في الحب والعمل واضطراب النوم والانسحاب الاجتماعي. ( لابا سليم معربس، 2010، ص 68 – 70 ) 2:النظرية الدينامية: يفسر الاكتئاب حسب فرويد بأنه الشعور بالفقدان لموضوع الحب، سواء بالموت أو الهجر أو الانفصال. أما ابراهام Abraham فيعتبر أن الإصابة بالاكتئاب تتعلق بموضوع الحب والقلق؛ فالفرد الذي لا يتمكن من إشباع رغباته العاطفية وحاجاته إلى الحب والحنان، تنتابه مشاعر الكراهية والغضب تجاه الآخر؛ هذه المشاعر ترتد نحو الذات بسبب الشعور بالذنب. فالاكتئاب شعور بالغضب إثر الإحباط وخيبة الأمل في إشباع الحاجة إلى الحب، هذا الغضب يرتد إلى الذات بفعل آليات الدفاع اللاواعية. ويتفق المحللون النفسيون في تفسيرهم للاكتئاب، لكنهم يختلفون في أنواع الدوافع المثيرة للإحباط والغضب. ويعتبر رادو Rado أن الاكتئاب صرخة بحث عن الحب. يعتبر أصحاب التحليل النفسي الاكتئاب بأنه عملية تثبيت في المرحلة الفمية، وكراهته باتجاه الذات؛ ولكننا نرى بأن هناك نقصا في الإشباع في المرحلة الفمية والذي يؤدي بدوره إلى الاكتئاب. 3:النظريات البينشخصية في الاكتئاب:

تركز هذه النظريات في فهم الاكتئاب على ضغوط الحياة وأساليب المواجهة، كما تهتم أيضا بالعلاقات بين الأشخاص وبيئاتهم كما يعتقد Ingram عام 1994. وقد تقوم الضغوط البيئية بدور سلبي على شخصية الفرد وتؤدي في الكثير من الأحيان إلى نشوء الحالات الاكتئابية. وفي هذا السياق يعتبر كوين و دوني Coyne & Downey عام 1991 أن الاكتئاب قد يفهم كفشل في المواجهة الفعالة لضغوط الحياة. وتعتبر عوامل التجنب والمواجهة المركزة على الانفعال (مثل التفكير الدائم بالخطأ ولوم الذات والشعور بالوحدة) من أهم النقاط في تفسير الاكتئاب، فالنقص في المواجهة يساعد على بقاء نوبات الاكتئاب. 4:النظرية السلوكية: تنظر إلى الاكتئاب كحاصل لتجارب الفشل والاحباط، وهو عملية كف أو امتناع عن الاستجابات أو الأفعال الصحيحة؛ وهذا يعني أن الفرد عاجز عن التخلي عن الاستجابات القديمة المكتسبة خطأ والتي لا تتلاءم مع متطلبات النمو والثقة بالنفس. ويعتبر سليجمان أن الاكتئاب استجابة نتعلمها ونكتسبها من البيئة، فهو يشير إلى أن الأفراد حينما يجدون أنفسهم في ظروف لا يستطيعون السيطرة عليها والتعامل معها، عندئذ يستسلمون للأمر الواقع. تعتبر النظرية السلوكية أن الاضطراب النفسي عبارة عن سلوك مكتسب كسائر أنماط السلوك، ويمكن تفسيره من خلال مفهومي التعزيز والاشراط. وترى أن الاكتئاب ينجم عن تدني مستوى التدعيم الايجابي وارتفاع مستوى الخبرات السلبية وغير السارة. 5:النظرية المعرفية الاجتماعية: تركز هذه النظرية على شخصية الفرد وأهدافه ومفاهيمه الفكرية وأدواره الاجتماعية. ويفسر الاكتئاب على أنه فقدان للدور الاجتماعي لدى الفرد الذي يمتلك مصادر قليلة لقيمة الذات أو يفقد الكثير من تقدير الذات من المحيطين به في بيئته العائلة أو في مجتمعه الصغير أو الكبير. ويعتقد كل من شابيون و باوير Champion and Power عام 1995 أن الأفراد المعرضون للاكتئاب يكون لديهم انهيار جزئي أو كلي لعمليات تنشيط الذات مع حالة من الاستسلام والاحباط القوي. 6:نظرية بيك Beck المعرفية: الاكتئاب اضطراب انفعالي يصيب 15% من البالغين بين عمر 18 سنة وما فوق؛ ويرتبط بطريقة تفكير الفرد وكيفية نظرته إلى الأمور التي تكون غالبا سلبية بحيث يكون الفرد مصابا بالاكتئاب لأن تفكيره سلبي، وتكون أفكاره بعيدة عن المنطق كما يعتقد بيك عام 1991، وهكذا يصبح الفرد ضحية لأفكاره الخطأ. ويعتقد بيك أن الاكتئاب هو اضطراب في التفكير وتظهر أعراضه طبقا لصفاته المعرفية السالبة، ويكون تأويل الحدث عن طريق الأفكار السلبية غير المنطقية بحيث تكون المشاعر الواردة غير ملائمة للحدث أو مبالغ فيها مع توقع حدوث الكارثة. فيحدث الاكتئاب عندما يحاول الفرد تفسير الأحداث التي تواجهه بصورة سلبية ونهائية، فالفرد يشعر بالكآبة عندما يفسر الموقف على أنه ينطوي على خسارة أو هزيمة أو حرمان أو فقدان شيء ما؛ وأن معاناة المكتئب الناجمة عن التشويه المعرفي بحسب بيك تحدث نتيجة مجموعة من الأفكار الأوتوماتيكية التي تطغى على الشعور لديه، ومن ثم يخضع لها خضوعا تاما ومن دون أي تدقيق أو تمحيص. هناك حسب بيك أربع مكونات رئيسية للاكتئاب تتمثل في: 1- المعرفية، وتتمثل في الشعور بالعجز واليأس والميل إلى تضخيم المشكلات وتدني قيمة الذات. 2- الدافعية، وتتمثل في فقدان الدافعية والاعتماد على الغير، والرغبة في قتل الذات وضعف الإرادة. 3- الانفعالية، وتتضمن عدم القدرة على الشعور بالمتعة والسعادة. 4- الجسدية، وتبرز في أعراض الأرق وفقدان الرغبة الجنسية والتعب بسرعة وارتخاء العضلات. هذا وتشير النظرية المعرفية إلى أن الانحراف في التفكير المنطقي يتمثل في التأويل السلبي الدائم لخبرات الفشل والنجاح وتحريف الادراك؛ إذ يرتفع تذكر الأحداث المؤلمة المرتبطة بالخبرات السلبية وبالشعور بعدم السرور ونسيان الخبرات الايجابية المتعلقة بالمتعة والنجاح والسعادة. (لابا سليم معربس ، 2010، ص 68 – 93) 7:النظريات الاجتماعية: تعزو النظريات الاجتماعية ظهور الاكتئاب لعدد من الأسباب قد يكون من بينها: البيت الغير مترابط ( غياب الروابط والعطف والحب، انحراف الأب أو غيابه) – العزلة الاجتماعية – الإحساس بالنبذ الاجتماعي - سوء الأحوال الاقتصادية – انخفاض الإنجاز أو الفشل في تحقيق الأهداف المادية والعلاقات الشخصية والاجتماعية. (سليمان عبد الواحد يوسف ابراهيم، 2014، ص 123) 8:المنظور الفينومنولوجي (الظاهرياتي) (الظواهري): يذهب الاتجاه الإنساني إلى مفهوم الصيرورة باعتباره لب مرض الاكتئاب، بحيث نستطيع أن نقول أن ما يميز الاكتئاب هو انخفاض في الشعور بالوجود أي في الشعور بالكينونة؛ وهذا الشعور بنقصان الكينونة يؤدي إلى الاكتئاب حتى يصل في الاكتئاب الشديد إلى الشعور بالفراغ، وهذا بطبيعة الحال الموت النفسي عندما ينقطع التناغم بين الأنا والعالم. (سليمان عبد الواحد يوسف ابراهيم، 2014، ص 122)

لقد تنوعت الرؤية التي يظهر بها هذا الوحش من نظر العلم، (علم النفس)، فمنه ما يراه فزيولوجي، والأخر نفسي، والأخر إجتماعي، ولكن ما هو أكيد، أنه جميع هاته العوامل مجتمعة

استمتعت بهذا المقال؟ كن على اطلاع من خلال الانضمام إلى النشرة الإخبارية لدينا!

التعليقات

يجب أن تكون مسجلا للدخول لتكتب تعليق.

نبذة عن الكاتب

أخصائي نفسي عيادي.